أمل يتحدى الركام
الحلقة الثالثة ✍️هبة الله زهير حداد
تاريخ 19-09-2025
كانت الشمس تغرب خلف السهول الخضراء في مدينة تعج بالحياة والحركة والحيوية ..
لكن اليوم كان مختلفاً عن بقية الأيام.. لم يكن هناك سوى صمت ثقيل مبهم .. وصوت الرياح التي تعزف لحناً غريباً بين بقايا البيوت المتهدمة آنذاك ..
في قلب هذا الدمار وتحت ركام من الإسمنت والحديد وجدت طفلة تدعى حنان وأخاها رامي …..
حنان ورامي لم يتذكرا سوى وميضٌ قوي وصوت انفجار يتلوه انفجار أكبر .. ثم ظلام دامس ورائحة غبار تخنق الأنفاس .. جسدهما الصغير لايقوى على الحراك من شدة الألم وصوتهما الضعيف لا يكاد يسمعه أحد ..
كانت أحلامهما كبقية الأطفال اللعب مع أصدقائهما وقراءة القصص قبل النوم مع والدتهما..
لكن اليوم تلاشى كل شيء ..
فالظلام والبرد القارس بدأ يتسلل إلى عظامهما ..
مرت ساعات طويلة ، وهما عالقان بين الحجارة ، كانا دائماً يسمعان أصواتا ًمن بعيد ..
أصواتا ًغريبة ..وأحيانا ًقوية ..كهدير الوحوش في الغابات .. وتارة ًأخرى أصواتاً خافتة تشبه الأنين ..فكلّ ما يمكنهما فعله هو أن يغمضا عينيهما ليتخيلا وجه أمهما الحنونة وضحكة أبيهما المرحة ..
تلك التخيلات كانت بالنسبة لهما كطوق النجاة في بحر اليأس ..
كان عنصر الوقت غائباً عن وعيهما كأن الساعات تحولت إلى سراب ،تتلاشى بين جوعهما وخوفهما وعطشهما …
سمعا صوتاً مختلفاً كان قريب جداً إنه صوت إنسان يرتجف خوفاً وقلقاً.. صوت يحمل نبرة الأمل والحياة ..
هل هناك أحد ؟ هل من أحد يسمعني؟ هل من أحد عالق ؟
جمعت حنان كل مالديها من قوة وهمست بصوتٍ ضعيف نعم نحن هنا ..
أخاها كان متعب كثيراً ولم يكن قادراً على الصراخ …
توقف الصوت للحظة ثم عاد أقوى .. لا تخفِ يا صغيرتي نحنا هنا لإنقاذكم فقط ابقوا هادئين دون حراك ...
كانت هذه الكلمات كالبلسم على روحها المتعبة ..وهي تستمع إلى أحاديث رجال الخوذ البيضاء وهم يخططون لإخراجهم ..
فجأةًشعرت باهتزازات خفيفة تلامس جسدها فقد كانوا يبذلون قصارى جهدهم لإنقاذهم وإخراجهم بأمان دون أذى ..
بدأت الحجارة تزاح ببطء والضوء يتسلل من شقوق صغيرة يضيء الغبار المتطاير ..
عندها شعرت حنان ببرودة الهواء تزداد ..وبأصوات أقرب وأوضح..
ثم شعرت بيد دافئة تلامس وجهها..لقد وجدناكما ياأبطال..
وعند آخر حجر ظهر وجه أخاها كان مرهقاً ومليئاً بالجروح لكنه كان مبتسماً ولم يفقد الأمل ..
رأت رجالا ًيرتدون خوذا ً بيضاء وأطباء مستعدين لتقديم أفضل ما لديهم من دواء وعلاج ...حملوهم بين أذرعهم ليشاهدوا السماء والنجوم المتلألئة وكأنها فرحة بعودتهما..
لم تكن حنان وأخاها يعرفان ما سيحدث .. لكنهما أدركا شيئاً واحداً هو نجاتهما وانتصارهما على الظلام والخوف والركام
..
بينما كان حنان ورامي يُنقلان بعيداً عن ذلك المكان المخيف كان قلبهما ينبض فرحاً….
فهما لم يكونا مجرد طفلين ضعيفين عالقين .. بل كانا رمزا ًللصمود وهمسة أمل في قلب سوريا ....
إنه درس يُسطًر في الشجاعة والقوة …….
✍️هبة الله زهير حداد
هل تعرف قصة مشابهة ؟