بيتٌ كان يشبه الحلم
الحلقة الأولى ✍️ غصن عبد الحميد شريقي 🗣️
تاريخ : Sep 1, 2025
منذ اللحظة التي قال لي فيها: "رح ابني بيت فوق بيت أهلي"، بدأت أحلم. لم يكن مجرد وعد، كان مشروع حب، مشروع حياة. كل كم يوم كان ياخدني بيده، يفرجيني العواميد اللي ارتفعت، السقف اللي انصب، البلكونة اللي رح تطلّ على صباحاتنا، وغرفة النوم اللي رح تحتضن أحلامنا. كنا نختار كل تفصيل، من البلاط للدهان، من موقع الشباك لزاوية الكنبة. وضحّيت بأهم يوم بحياة أي بنت—يوم العرس—ليكون بيتنا متل ما منحب، متواضع العرس، بس غني بالحب.
تزوجنا بـ2009، واستقرينا. جبت فيه فرحة عمري، ابني الأول، وكان البيت شاهد على أول بكا، أول ضحكة، أول خطوة. ولما بلشت الثورة، صار زوجي يطلع مظاهرات ويرجع على بيتنا، بيت الأمان. تهجّروا ناس من القرى، وبيتي وبيت حمايي صاروا ملجأ، حضن دافي لعائلات ما إلها مكان. كنت قول "معلش، في سبيل الله"، وقلبي راضي.
بس يوم أخدوا زوجي احتياط، انكسر شي جواتي. بأول إجازة هرب على تركيا، وأنا بعد شنططة وتعب، لحقت فيه مع ولادي. بلشت الغربة، بلشت حياة الشنططة، حياة التنقل من بيت لبيت، من مدينة لمدينة. بس الأمل ما فارقني، كنت كل يوم قول: رح نرجع على جنتنا، على بيتنا، على حارتنا.
ولما صار التحرير، ما صدقت. أخدنا سيارة، تاني يوم دخلنا الحارة، وقلبي يركض قبل رجلي. بس فجأة... توقف كل شي. بيتنا؟ عالأرض. جايتو عدة قذائف، ما بقي منه شي. لا جدار، لا صورة، لا ذكرى ملموسة. حتى الغراض، حتى لعب ولادي، حتى فستان عرسي المتواضع... كله راح.
الله يعوضنا، ويعوض كل اللي خسروا بيوتهم. بس نحنا بدنا نرجع، بدنا نعيش، بدنا نستقر. الأجارات
نار، والقلوب تعبت. الغربة مو بس مكان، الغربة وجع، الغربة فقد، الغربة بيت كان... وصار تراب.
✍️ غصن عبد الحميد شريقي
ضع ثقتك بمصداقية التجمع للعدالة و البناء بالضغط على زر المتابعة Subscribe