لكي لا نصنع ديكتاتورا
بعد سقوط الطاغية، ظهرت قيادات شاذّة بسرعة لافتة.
أشخاص لم يأتوا عبر مسار واضح، ولا عبر شرعية اجتماعية حقيقية، ولا عبر مشروع طويل النفس.
ظهروا فجأة، وتجمّع الناس حولهم بسرعة أكبر من اللازم.
بعضهم رفع شعارات دينية، بعضهم طائفية، بعضهم سياسية، وبعضهم خلط كل ذلك معًا.
الخطاب كان كبيرًا، لكن الدافع لم يكن إيمانًا حقيقيًا، بل فرصة شخصية:
- فرصة سلطة
- فرصة نفوذ
- فرصة مال
- أو حتى فرصة ظهور
والدليل؟ أن كثيرًا من هؤلاء القادة إمّا اختفوا بالسرعة نفسها التي ظهروا بها، أو سيختفون قريبًا إمّا حين يحققوا أهدافهم، أو حين يسقطوا.
والمؤكد أن الشعارات لم تكن سوى أدوات، لا قناعات. وسيلة لجمع الناس، لا مشروعًا لهم.
---
السؤال الأهم
ليس: لماذا ظهر هؤلاء؟
بل: لماذا كان ظهورهم سهلًا إلى هذا الحد؟
الجو كان مهيّأ.
لسنوات طويلة، عشنا في ظل نموذج واحد فقط: القائد الواحد، الرجل الواحد، القرار الواحد.
حتى الذين كانوا يرون الطاغية كاذبًا، مجرمًا، ومدمرًا، لم يكن في مخيلتهم حلٌّ خارج هذا النموذج.
المشكلة بالنسبة لكثيرين لم تكن في فكرة القائد، بل في نوع القائد.
كان الحل في أذهانهم بسيطًا: ليس أن نخرج من فكرة القائد، بل أن نجد قائدًا “أفضل”.
---
غياب البدائل
لم يكن هناك تصور حقيقي للعمل التشاركي، ولا للقيادة الجماعية، ولا لتوزيع المسؤولية.
ليس لأن الناس لا يريدون ذلك، بل لأنهم لم يتعلّموه أصلًا.
وهكذا، حين سقط القائد القديم، لم تسقط الحاجة النفسية إليه. بل بقيت تبحث عن بديل… أي بديل.
وهنا ظهرت القيادات الشاذّة بسرعة، ليس لأنها قوية أو مقنعة، بل لأن المجتمع كان جاهزًا نفسيًا ليتعلّق بأي شخص يبدو واثقًا، يتكلم كثيرًا، ويَعِد أكثر.
---
الحكومة الجديدة
حتى في حالة الحكومة الجديدة، لم يتغيّر السلوك كثيرًا.
كثير من الناس من مؤيدي الرئيس بدأوا يتعاملون معه على أنه الرجل المنقذ.
التقديس بدأ مبكرًا، التصفيق سبق التقييم، الدفاع جاء قبل التجربة.
ليس بالضرورة حبًا أعمى، بل عادة قديمة.
في الشارع، حين يواجه المواطن مشكلة بسيطة، غالبًا ما يكون رد الفعل: “لازم نوصلها للرئيس.”
بغضّ النظر عن نوع المشكلة، أو الجهة المسؤولة عنها.
---
السؤال الحساس
هل نستطيع أن نُقنع الناس بأن الرئيس موظف برتبة عالية؟
له صلاحيات، وله حدود، وعليه محاسبة؟
أم أننا سنبقى نعلّق آمالنا ونتمنى في داخلنا أن لا يستلذّ الرئيس بشعور “الآلهة” ولا يتحول إلى دكتاتور جديد؟
لأن الأجواء، للأسف، ما زالت إيجابية لذلك.
---
الخاتمة
صناعة الدكتاتور لا تبدأ عند القائد فقط، بل عند المجتمع الذي يصفّق قبل أن يسأل، ويقدّس قبل أن يراقب، ويبحث عن منقذ بدل أن يبني نظامًا.
هذا المقال لا يتهم الناس، ولا يشكّك في النوايا، ولا يقلّل من قيمة أي موقع مسؤولية. لكنه يحاول أن يقول شيئًا واحدًا بوضوح:
إسقاط الطاغية لا يعني إسقاط الدكتاتورية.
الدكتاتورية تسقط فعلًا عندما نتعلّم أننا لا نحتاج رجلًا واحدًا كي نشعر بالأمان.
والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا: هل نريد قائدًا نُعلّق عليه كل شيء؟ أم دولة لا تسمح لأحد أن يتحول إلى إله؟
الفرق بين الاثنين هو الفرق بين مستقبل يُبنى وماضٍ يعود… بأسماء جديدة.
✍️ م. عمر اليافي
صفحتنا ليست مجرد أخبار… بل نافذة على قضايا اجتماعية تمسّ حياتنا، وتحليلات سياسية تفتح العيون وتوقظ الأسئلة.
تابعنا إن كنت تبحث عن محتوى يحرّك الفكر، لا يستهلكه.