“كنا مرتاحين”
✍️ م. عمرمحمد بشيراليافي
تتكرر هذه الجملة كثيرًا في الشارع، في الجلسات، وعلى وسائل التواصل:
“شو تغيّر؟”
“ما تغيّر شي.”
“كنا مرتاحين.”
“كان الوضع أفضل.”
تُقال الجملة بثقة، وأحيانًا بحنين، وأحيانًا بغضب.
لكن قليلًا ما نسأل السؤال الأهم: لمن كنا مرتاحين؟
الراحة كلمة مغرية.
توحي بالأمان، بالاستقرار، بالطمأنينة.
لكن ليست كل راحة دليل صحة.
وأحيانًا، تكون الراحة نتيجة غياب السؤال، لا وجود العدالة.
راحة بلا كرامة
في فترات طويلة من حياتنا، لم تكن الراحة مرتبطة بالكرامة،
بل بالتعوّد:
- بأن تعرف حدودك ولا تتجاوزها
- بأن تصمت في الوقت المناسب
- وبأن لا تسأل أكثر مما ينبغي
كان كثيرون “مرتاحين” لأنهم لم يجرّبوا أن يقولوا رأيهم أصلًا.
لم يختبروا الاختلاف.
لم يطالبوا بحق.
فالاحتكاك غائب، والخطر مؤجّل.
وضوح قسري
في جلسة عادية، قد تسمع أحدهم يقول:
“والله كنا مرتاحين… كلو كان واضح، كان في أمان، كان في روتين.”
قد يبدو الكلام منطقيًا.
لكن تأمّل العبارة جيدًا:
الراحة هنا ليست في الحرية، بل في الوضوح القسري.
في أن الطريق مرسوم سلفًا، حتى لو كان ضيقًا.
القوة الزائفة
جزء من هذا الحنين سببه فقدان ما يمكن تسميته “القوة الزائفة”:
قوة الشعور بأن الأمور ثابتة،
أن هناك جهة واحدة تقرر، فتُعفيك من الحيرة، ومن المسؤولية، ومن السؤال.
قد تكون تلك القوة غير عادلة، لكنها كانت واضحة.
ومع سقوطها، ظهرت الفوضى، وظهر التعب.
عندما تختفي القوة الزائفة، لا تظهر القوة الحقيقية فورًا.
تظهر مرحلة انتقالية صعبة،
مرحلة يشعر فيها الناس بأنهم فقدوا السيطرة،
حتى لو كانت السيطرة أصلًا وهمًا.
خلط المفاهيم
وهنا يبدأ الخلط:
نخلط بين غياب القمع وغياب النظام،
بين الحرية والفوضى،
بين التعب المؤقت والخراب الدائم.
فنقول: “كنا مرتاحين”،
بينما الحقيقة أننا كنا أقل وعيًا، لا أكثر سعادة.
راحة الخوف
الراحة التي تأتي من التكيّف مع الخطأ ليست فضيلة،
هي آلية بقاء.
ومثل كل آليات البقاء، تصبح عبئًا عندما يتغير الزمن.
كثيرون اليوم متعبون فعلًا:
الأسعار، القلق، الغموض، الخلافات.
هذا التعب حقيقي ولا يمكن إنكاره.
لكن اختصار كل هذا بعبارة “كنا مرتاحين”
يحرمنا من سؤال أعمق: كيف نبني راحة لا تقوم على الخوف؟
الراحة الحقيقية لا تأتي من الصمت،
ولا من تسليم القرار،
ولا من إغلاق العين عن الظلم.
تأتي من:
- الثقة
- القانون
- وضوح الحقوق
- ومن شعور الإنسان أنه شريك، لا تابع
ربما لم نكن نبحث عن الراحة،
بل عن الإعفاء:
إعفاء من التفكير،
ومن الاختيار،
ومن تحمّل النتائج.
وهذا مفهوم، لكنه ليس حلًا.
سؤال جديد
لذلك، بدل أن نسأل: “كنا مرتاحين”،
ربما الأصدق أن نسأل:
كيف نكون مرتاحين دون أن نتنازل عن كرامتنا؟
هذا السؤال لا يملك جوابًا سريعًا،
لكنه على الأقل،
يعيد توجيه البوصلة من الماضي نحو ما يمكن أن يُبنى.
والبداية دائمًا:
أن نكون صادقين مع أنفسنا،
حتى عندما يكون الصدق متعبًا.
✍️ م. عمر محمد بشيراليافي
صفحتنا ليست مجرد أخبار… بل نافذة على قضايا اجتماعية تمسّ حياتنا، وتحليلات سياسية تفتح العيون وتوقظ الأسئلة.
تابعنا إن كنت تبحث عن محتوى يحرّك الفكر، لا يستهلكه.